10/10/10

عز الدين عثمان الرسام في ساحة السياسة


عز الدين عثمان
الرسام في ساحة السياسة


الـ "كاريكاتير"(و في رسوم أخر "كاريكاتور"أو "كاركتير"أو كركتير" إلخ) عبارة مستحدثة في عربية الصحافة لكنها ثبتت بالتقادم و صارت تدل على تقنية بعينها في أدب التصاوير الساخرة المطبوع على صفحات الجرائد و المجلات.و المصطلح وافد من اللغات الأوروبية ، "كاريكاتورا"( في الإيطالية منذ منتصف القرن الثامن عشر) :
Caricatura
من أصله في اللاتينية
Carricare
في معنى يشحن أو يحمّل بإفراط. و رغم أن الكاريكاتير ارتبط بالرسم الإيضاحي الساخر الذي يضخـّم العيوب إلا أن دلالة العبارة يمكن أن تشمل الوصف الأدبي او الأداء الجسدي في الفنون المشهدية و غيرها من أنواع التعبير.
إن الرسم الإيضاحي قديم في تقليدنا التشكيلي منذ عهود الحضارات القديمة في وادي النيل الأوسط ( الحضارة المروية و الممالك المسيحية) لكن الرسم الإيضاحي الكاريكاتيري يمثل في مشهدنا الثقافي كبعض من متاع أدب التصاوير في ثقافة الحداثة الرأسمالية التي استقرت في وجداننا بفضل التعليم الحديث، الذي يتيح لجمهور الحواضر نوعا من التدريب المفهومي و البصري يمكنهم من عقلنة الصورة الحديثة في تنويعاتها، بما فيها التنويع الكاريكاتوري.و رغم إرتباط الرسم الكاريكاتوري بعالم الصحافة و رغم توفر الرسامين السودانيين و حضورهم الدائم( كمصممين) في قلب الجهاز التقني للصحافة، إلا أن القائمين على الصحف السودانية لم يهتموا بالكاريكاتير إلا في وقت متأخر.و لا بد أن لهذا الإهتمام المتأخر بالكاريكاتير من الأسباب التاريخية و الثقافية ما يفوق طاقة هذه الكلمة المتواضعة. إلا أن السبب المركزي في غياب و تأخر رسامي الكاريكاتير السودانيين عن الإسهام في الحركة الصحفية السودانية يبقى هو ضيق و هشاشة مساحة الحرية التي تتمتع بها الصحف السودانية.و الصحف السودانية ظلت ـ عبر تاريخها الطويل المشرّف ـ تتميز بخاصية تكاد تكون فريدة في نوعها بين صحف العالم العربي. ذلك انها ظلت ـ و قيل: مازالت ـ تصدر بمنطق " العون الذاتي" و الجهد الطوعي للمحررين البواسل الذين يسوّدون صفحاتها بذرائع العمل العام دون أن يتوقعوا أي مكافأة مادية على أسهامهم.و لا شك أن هذا الواقع بسبيل أن يتغير في صحف السودان المعاصر، رغم بعض التجارب المريرة المتفرقة التي يتعرض لها من اتخذوا من الصحافة مهنة نظامية يكسبون منها عيشهم ،( و فيهم من يكسب منها موته و الأعمار بيد الله).طبعا المشكلة مع الكتاب الصحافيين الذين يكتبون بمنطق " العون الذاتي" هو أنهم يقفون باستقلال مادي تام عن الجريدة التي قد تنشر(و قد لا تنشر) لهم مادتهم و هذا الإستقلال يضمن لهم حظوة الحرية في التعبير عما يجول في خواطرهم.و مسافة الحرية التي يتمتع بها الكاتب المتطوع تجعل منه مساهما يستوجب الحذر من قبل القائمين على أمر الجريدة.و ربما لهذا السبب كانت سكرتارية التحرير في الصحف السودانية ـ دائما قرب المطبعة ـ بمثابة القلب الحقيقي للصحيفة، نوع من " غرفة عمليات" يتولاها نفر ممن يوثق بـ " سلامة حسهم" و بقدرتهم علي استباق المخاطر و كسح"الألغام" السياسية و غير السياسية التي قد تتخفّى في المادة المرسلة للنشر.و من تجربتي الشخصية ،أيام كنت محررا متعاونا أشرف على صفحة فنية اسبوعية في جريدة " الأيام" ( 1975- 1978)، كان الصديق ي. ع. الذي يتولى سكرتارية التحرير يبادرني بالسؤال المعتاد كلما وصلت المكتب أحمل مادة صفحة " ألوان الفن و الأدب":
" أها يا أبو على الصفحة فيها حاجة و لا فن ساكت". و كنت أطمئنه بأن الصفحة مجرد " فن ساكت" و ليس فيها " حاجة".وعبارة الـ " حاجة" في حوارنا الطقوسي القصير كانت تعني " حاجة سياسية" قد تجر عليه و على رؤساء المهنة غضب السلطات.

هذه المقدمة ضرورية لفهم الدور الريادي الذي لعبه عز الدين عثمان في إبتدار تقليد جديد في أدب التصاوير ضمن فضاء الصحافة السودانية.و رغم أن الرسم الكاريكاتوري في مجال المطبوعات السودانية كان معروفا قبل وصول كاريكاتيرات عز الدين عثمان في الستينات (راجع رسامي مطبوعات "مكتب النشر التربوي" كشرحبيل و شبر و آخرين)، إلا أن خصوصية مساهمة عز الدين عثمان تتمثل في إقتحامه فضاء المناقشة السياسية و في يده هذه الأداة السحرية العالية الكفاءة :
الرسم الكاريكاتوري السياسي الذي يلخّص و يقنع و يطعن و يضرب و يعزّي و يضحك في آن.و بموهبته العالية استطاع عز الدين عثمان أن يرسم صورة السياسيين السودانيين بشكل واقعي و إنساني كرجال عاديين لا يمتازون على أفراد الشعب الا بفضل الصدفة التي موضعتهم على مواقع السلطات .و حتى الزعامات السياسية التاريخية التي كانت تمثـُل، في مشهد العمل السياسي العام عشية الإستقلال ، محاطة بهالة ثقيلة من القداسة الأيقونية ، استطاع عز الدين عثمان ان يحجّمها لأبعادها الواقعية كمجرد ممثلين على خشبة مسرح السياسة الذي هو ـ في نهاية التحليل ـ مجرد مسرح بين مسارح الحياة الحقيقية التي يعيشها اهل السودان. و هو عمل جبار في حق قوم يمارسون الديموقراطية وفق " الإشارة" الصادرة من " السيد" الذي هو في آن زعيمهم الديني و السياسي . بيد أن هذا التحول الكبير في القيمة الرمزية لصورة الزعيم الشعبي السياسي و العقائدي أنجزه عز الدين عثمان بوسيلة الكاريكاتير ضمن شرط الحرية السياسية و السماحة الفكرية التي سادت فضاء العمل العام بعد " ثورة أكتوبر 64". و قد لاحظ الصديق النور حمد تزامن ظهور عز الدين و صعوده مع عودة الديموقراطية في النصف الثاني، من الستينات في كلمته:" لا يمكن أن يذكر الناس حقبة الديموقراطية الثانية من غير أن يذكروا عز الدين عثمان".." و الكاريكاتير لا يعيش في غير أجواء الديموقراطية". ورسام الكاريكاتير كما النبت النادر الذي لا ينمو في غير تربة الحرية.و قد أثبت استاذنا رسام الكاريكاتير الفلسطيني "ناجي العلي" هذه القاعدة حين دفع حياته ثمنا لحريته في أن يعبر عن رأيه في ما يحدث في فضاء السياسة العربية.و حين ضاق هامش الحرية النسبي الذي بقي في صحافة نظام النميري مع تدهور الشروط الإقتصادية في السودان اضطر عز الدين عثمان إلى الهجرة للأمارات في نهاية السبعينات ". و في المهجر" لم يكن جو الحرية بأفضل منه في السودان " كما جرت عبارة النور حمد.و لأ أشتط أبدا إذا زعمت بأن تدهور صحة عز الدين عثمان و ضمور حضوره الفني يمثلان النتيجة المنطقية لإحساسه بغياب الحرية في فضاء العمل الصحفي العربي و السوداني معا.فمجرد البقاء ضمن شروط القهر و الرقابة و السنسرة و مصادرة الحقوق الأساسية، المستشرية في العالم العربي يتطلب من المواطن العادي جهدا بطوليا جبارا ، فما بالك بفرص بقاء المبدعين الذين يتقحمون فضاء الممارسة السياسية بغير حماية سوى أدوات الفن و وسائله، لمواجهة خصوم اراذل يعرفون أن ريشة الفنان الساخرة أشد خطرا على سلطانهم من السلاح الناري.و السلطان الغاشم لا يجهل الفكاهة فقط لكنه يرتعب منها و يخشاها خشية كبيرة و يتجنب صناعها لأنه يعرف ان الضحك يملك أن يهز عُمُد السلطة و يخلخلها و لا يبال، و إذا كان الشعب المقهور يضحك من " شر البلية" و يقاوم القهر و الإستبداد بالنكتة و العبارة الضاحكة فالسلطان لا يجهل أن الضحك ضد السلطة لأنه يصدر عن عفوية السلوك الحر الخارج على كل القوانين.الضحك سابق للسلطة و باق بعدها.و السلطات تعارض الضحك بالرصانة الملتفعة بالحزن و أنواع الإكتئاب.و هي تعرف أن فرض الكآبة على الجميع أمر ميسور بينما الضحك لا يفرض على أحد.و في فرنسا المعاصرة ما زال الناس يتذكرون حملة السخرية المريرة التي شنتها ،على الرئيس الفرنسي " جيسكار ديستان"، جريدة ال" كنار أنشينيه" الساخرة التي يتقاسم صفحاتها رسامو الكاريكاتير مع المحررين.و هي حملة موضوعها " فضيحة جواهر بوكاسا"، حيث كشفت الجريدة أن الرئيس جيسكار قد قبل مجموعة جواهر أهداها له الرئيس بوكاسا(أمبراطور جمهورية أفريقيا الوسطى السابق). و قد كان لحملة " الكنار أنشينية" الساخرة بالكلمة و بالكاريكاتير أبلغ الأثر في خفض شعبية جيسكار ديستان" " و خسارته في إنتخابات الرئاسة لعام 1980 .
و كما ترون فموضوع كاريكاتيرات عز الدين يطول و لا بد لنا من عودة متأنية لتلك الجوانب المنسية من مشروع استاذنا عز الدين عثمان. و هي عودة لا تكون بدون التأمل في آثاره و استحضار الملابسات التي أنجزها ضمنها.

جمعتني بعزالدين عثمان ـ و أنا يافع ـ جملة ملابسات لعبت دورا كبيرا في انخراطي لا حقا في العمل الصحفي في السودان. في النصف الثاني من الستينات ، و أنا طالب في مدرسة الابيّض الثانوية ، كانت لي جريدة حائطية إسمها " الكاريكاتير" و كنت انشر فيها كاريكاتيرات متنوعة بعضها يعالج مواضيع سياسية و بعضها يعالج مواضيع مدرسية.في تلك الفترة كانت دار " الايام " قد بدأت تصدر مجلة منوعات اسمها " الحياة". و قرر عز الدين ،الذي كان يعمل مستشارا فنيا للحياة، تخصيص باب ثابت في المجلة لهواة الكاريكاتير.و كان الرسامون ، من مختلف أقاليم السودان ، يبعثون للحياة برسوماتهم فيتولى عز الدين نشرها في بابه.و قد عنت لي فكرة إرسال بعض كاريكاتيراتي للحياة فاخترت بضعة رسومات و وضعتها في مظروف و أودعتها البريد.كانت مفاجأتي كبيرة حين وجدت كاريكاتيراتي منشورة على صفحات الحياة مع تقديم بقلم عز الدين يقرظ فيه الرسومات و يثني على نوعيتها.كانت تلك اول مرة ارى فيها اسمي مطبوعا على صفحات جريدة، و اظنني احتفظت بتلك الصفحة لسنوات بحرص التلميذ على شهادة عزيزة من أستاذه.
بعدها بحوالي سبعة سنوات، و نحن طلبة في السنة النهائية بكلية الفنون، أذكر ان كمال حسن بخيت، الذي كان يعمل محررا بالايام، قام بعمل ريبورتاج صحفي عن كلية الفنون لصفحة " ألوان الفن و الادب" التي كان يشرف عليها عز الدين عثمان. في ذلك التحقيق تحدثنا [ هاشم محمد صالح و النور حمد و محمود عمر و محمد شداد و آخرين ] كطلبة [ و كفنانين] عن " ازمة الفن التشكيلي في السودان " و انتقدنا مناهج التدريس في الكلية. بعدها أذكر أنني كتبت مقالا تحت عنوان " من أزمة الفن التشكيلي لأزمة كلية الفنون و بالعكس "، و كتب بولا و النور حمد و هاشم محمد صالح.. و كانت تلك المداخلات بمثابة إمتداد للمناقشات النقدية التي كانت دائرة في كلية الفنون على مستوى الندوات الثقافية و صحف الحائط.و فضل عز الدين عثمان الكبير يتلخص في كونه منحنا مساحة تعبير حرة من كل قيد تقريبا . أقول:" تقريبا" لان الصحف كانت مملوكة لحزب السلطة :الإتحاد الإشتراكي السوداني. فتح عز الدين عثمان صفحة" الوان الفن و الادب" الاسبوعية بسماحة نقدية عالية، لاقلام التشكيليين من مختلف الإنتماءات. دون ان يغيب عليه أن المناقشة في الشأن الفني كانت تنطوي على بعد سياسي معارض بشكل جذري لسياسات نظام النميري.و قد انطوى موقف

عز الدين على مخاطرة شجاعة في فترة كانت أجهزة أمن نظام النميري تتعقب فيها الأدباء و الفنانين بشبهة التعاطف مع الحزب الشيوعي المحظور أو حتى " بتهمة الولاء للحكومة السابقة" [ الطيب صالح]. بعدها باشهر عرض علي عز الدين أن اعمل معه كـ "محرر متعاون " في صفحة "ألوان الفن و الأدب".و كانت تلك فاتحة " تعاوني" مع الصحافة السودانية و كنت اتولى كتابة التقارير الصحفية عن الاحداث الثقافية و الفنية في المسرح و السينما بجانب عمل المقابلات مع الفنانين بمناسبة المعارض إلخ.و كنت أظن ان إختيار عز الدين لشخصي كان متأثرا بعلاقة الصداقة التي كانت تربطه بشقيقي إبراهيم الذي بدأ يعمل صحفيا بالايام قبلها بعام ، فضلا عن العلاقة الحميمة التي كانت تربط شقيقي الاكبر أحمد و الصحافي الكبير إدريس حسن الذي كان يتولى إدارة تحرير جريدة الايام. مرة و أنا في مكتب عز الدين ببحري دخل إبراهيم موسى و قدمني لعز الدين قائلا في هذره الساخر
: أعمل حسابك حسن دا أخونا الصغير!
فقال عز الدين ضاحكا
: ياخي أخوكم بتاع شنو ؟ أنا الزول دا لـّمن نشرت ليهو كاريكاتيراته إنت زاتك انا ما كنت بعرفك.
فاجأتني قولة عز الدين لأني لم اكن اتصور انه كان يتذكر تلك الكاريكاتيرات التي كان قد نشرها لي قبل سنوات في " الحياة" . و بالفعل لم يكن عز الدين قد إلتقى بإبراهيم الذي كان يدرس في" براغ" في ذلك الوقت .
و لم يهتم عز الدين بنشر كاريكاتيراته في صفحة " ألوان الفن و الادب " بل كان همّه يتركز على القيام بمهمة تحرير صفحة ثقافية تقدم تغطية صحافية جادة لجملة المناشط المتخلقة في الساحة الثقافية المحلية. و قد كانت تلك التجربة المهنية مهمة كونها منحتني فرصة نظرة" با نورامية " للمشهد الثقافي في السبعينات كما انتفعت كثيرا، في معية عز الدين عثمان، من شبكة المعارف و العلاقات الواسعة التي كان يصونها مع اشخاص متنوعي المشارب من الكتاب و الفنانين السودانيين الذين تركوا بصماتهم على الساحة الثقافية السودانية.و بعد أشهر اضطر عزالدين للسفر لجوبا في مهمة تتعلق بتأسيس قسم فني لجريدة تصدر هناك فأوكل لي مهمة الإشراف الكامل على صفحة ألوان الفن. و لما عاد عز الدين من مأموريته بعد عدة أشهر اذكر انني قلت له :
" يا زول تعال شوف صفحتك"
، فرد على بسخرية:
" صفحتي بتاعة شنو؟ أنا اتخارجت، دي صفحتك إنت براك!"
كانت عبارة عز الدين بمثابة "إجازة " أو شهادة اعتز بها من طرف شخص يعتبر علما مهما من اعلام الصحافة الحرة في السودان.


حسن موسى



1 comment:

  1. http://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%AF%D8%B1%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%B1-%D8%B9%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%B9%D8%AB%D9%85%D8%A7%D9%86/234039146617894
    شاركوا معنا في صفحة مدرسة الكاريكاتير ::عز الدين عثمان::

    ReplyDelete